في مشهد يعيد إلى الأذهان مشاهد التدمير ذاتها، استنسخت المليشيا التكتيك الإسرائيلي عندما استهدف ميناء الحديدة ومطار صنعاء ومحطة كهرباء حزيز؛ أسلوب إشعال الحرائق الضخمة، وتصعيد ألسنة الدخان، وإحداث الانفجارات الهائلة التي تمزق السماء. فقبل أن تتقدم خطوة واحدة على الأرض، بدأت تصعيدها بشن قصف عنيف ومكثف شمل ميناء المخا ومحطتها الكهربائية ومطارها بنحو 100 صاروخ باليستي وطائرة مسيرة خلال 72 ساعة فقط. لم يكن هذا القصف مجرد تمهيد عسكري، بل كان هدفه الأكبر إحداث صدمة نفسية، وبث الرعب في نفوس السكان، وزعزعة معنويات المقاتلين والقيادة.
تحت غطاء هذا الجحيم الجوي، أطلقت المليشيا خطتها الميدانية عبر حشد أرتال عسكرية ومئات المقاتلين نحو محوري الخوخة وحيس لتحقيق اختراق سريع. لكن هذه الزحوف الشرسة تحطمت سريعا أمام الجدار الدفاعي الصلب للمقاومة الوطنية والقوات المشتركة، لتتكبد المليشيا خسائر فادحة في الأرواح والعتاد وتجبر على الاندحار.
أمام هذا الانكسار، سارعت المليشيا إلى تغيير تكتيكها، فنقلت ثقل الهجوم نحو منطقة البرح ومديرية مقبنة بمحافظة تعز، ورسمت ثلاثة محاور هجومية جديدة للوصول إلى الشريط الساحلي. وشهدت المنطقة ليلة ضارية امتدت من السابعة مساء الجمعة حتى مطلع فجر السبت، حيث اشتعلت الأجواء بأصوات المدافع والهاونات وأزيز الصواريخ التي كانت ترسل بالتوازي نحو المخا لكسر روح المقاومة فيها.
الجواب على سر كل هذه الاستماتة يكمن في التوجيهات الصريحة القادمة من طهران. تدرك المليشيا ومن خلفها إيران أن مجرد التواجد على شواطئ البحر الأحمر لا يمنح أفضلية استراتيجية كاملة، بينما السيطرة الفعلية على المخا وضفاف باب المندب تجعل كل سفينة تجارية عابرة في "مرمى حجر". إنها محاولة حثيثة لتكرار النموذج الإيراني في مضيق هرمز وتطبيقه على مضيق باب المندب، لتحويل هذا الممر الدولي إلى أداة ابتزاز وإخضاع.
وتتسابق المليشيا اليوم مع الزمن للسيطرة على الخط الساحلي قبل أن يكتمل الانتشار الفعلي للتحالف البحري الجديد المخصص لحماية الممرات المائية؛ إذ تعلم يقينا أن فوات هذه الفرصة يعني تجريدها تماما من القدرة على تهديد الملاحة الدولية وشل حركتها.
ورغم النيران المستعرة وأزيز الصواريخ التي أرادت سحق إرادة هذه المدينة التاريخية، تقف المخا شامخة بيقظة حراسها وثبات أبنائها، لتؤكد أن بوابة باب المندب ستظل جدارا ناريا يتحطم عليه كل مشروع يسعى لارتهان الملاحة الدولية.
