0
#1634; #1638; سبتمبر.. ثورة لم تكن لإسقاط نظام بل بوابة اليمنيين إلى زمن آخر
الميثاق نيوز
القراءات 4
مراجعة
يعود السادس والعشرون من سبتمبر هذا العام، محمّلًا بالكثير من تجلياته، بعد 64 عامًا من قيام ثورة اليمن الكبرى عام 1962، ويحشد الحوثيون طاقتهم لمحو هذا اليوم من ذاكرة أجيال اليمن، ويغرسون عقيدة الكراهية له، فيما يدفعون بآلاف من خريجي مراكز التثقيف التابعة لهم إلى الجبهات، في محاولة لاجتياح الجبال والوديان التي استعصت عليهم طوال اثني عشر عامًا من الحرب. تدور رحى المعارك اليوم في جبال كهبوب وقرفان ونعمان وشبيهاتها في الأسماء والعظمة، ويخوض رجال الجمهورية على سفوحها جولة جديدة من حرب طال أمدها. وبالرغم من الصعوبات التي خلّفتها المعارك لآلاف العائلات في المناطق التي شهدت التصعيد مؤخرًا، يتجلى التعبير الشعبي الرافض للنهج الحوثي في الاستعدادات للاحتفاء بثورة السادس والعشرين من سبتمبر. وكعادتهم في السنوات الأخيرة، يستعد الحوثيون للذكرى في المحافظات الخاضعة لسيطرتهم بإجراءات أمنية واسعة، خشية خروج الناس للاحتفاء بسبتمبر. وتتحدث معلومات نشرتها وسائل إعلام يمنية عن استنفار الأجهزة الأمنية والاستخبارية الحوثية، وتوجيهات بمواجهة مظاهر الاحتفال، وفي مقدمتها رفع العلم الرسمي للبلاد. لعل المفارقة أن الحوثيين، وهم يحاولون طمس سبتمبر من ذاكرة اليمنيين، أعادوا تعريفها لجيل لم يعرف الإمامة، ولم يكن يدرك لماذا حمل آباؤه وأجداده السلاح لإسقاطها. فجيل لم يعش الإمامة، ولم يعرفها إلا من كتب التاريخ وروايات الآباء والأجداد، وجد نفسه أمام تجربة أعادت إلى الحاضر كثيرًا من الأسئلة التي ظن أنها أصبحت جزءًا من الماضي، وعززت ارتباطه الوجداني بثورة سبتمبر. لم يعد الحديث عن الامتياز السلالي بالنسبة إلى هذا الجيل حكاية يرويها الآباء عن زمن الإمام، بل غدت صور التمييز ماثلة أمامه، من القصور وحتى القبور. ويظهر التمييز كذلك في مواكب تشييع القتلى؛ إذ تُقام جنازات مهيبة لبعض القادة والقتلى المنتمين إلى أسر هاشمية، وتُشيّد لهم قبور أكثر فخامة، فيما يعود كثير من المقاتلين البسطاء إلى عائلاتهم في جنازات متواضعة، إن عادت جثامينهم أصلًا. وفي حين كان مبدأ إزالة الامتيازات في صميم مشروعها؛ حين نص هدفها الأول على "إقامة حكم جمهوري عادل وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات"، أعاد الحوثيون إلى واجهة الحياة العامة كثيرًا من المفاهيم التي ظن اليمنيون أن سبتمبر دفنتها؛ من تكريس مكانة خاصة للسلالة، إلى خطاب "الولاية" وأحقية آل البيت بالقيادة، وصولًا إلى إعادة تشكيل التعليم والمناسبات العامة والخطاب الديني بما يخدم هذه الرؤية. لم تعد معركة سبتمبر بالنسبة إلى جيل اليوم حكاية عن جمهوريين وملكيين مضوا، بل صراعًا يراه في تفاصيل حياته اليومية على معنى الدولة والمواطنة والمساواة. ولم تكن سبتمبر مجرد ثورة لإسقاط نظام حكم، بل كانت بوابة اليمنيين إلى زمن آخر؛ فتحت أبواب التعليم أمام أجيال واسعة، ووسعت حضور الدولة ومؤسساتها، وشقت الطرق، وأرسلت آلاف اليمنيين إلى الجامعات والمعاهد في الداخل والخارج، ودفعت ببلد كان يعيش قدرًا كبيرًا من العزلة إلى بناء علاقته بالعالم. لم تحقق الجمهورية بالطبع كل أحلام رجال سبتمبر، وتعاقبت عليها أزمات وحروب وصراعات وأخطاء ثقيلة، لكن إخفاقات الجمهورية شيء، والفكرة التي قامت عليها شيء آخر؛ فقد أصبح ابن الفلاح والعامل والقبيلة قادرًا، من حيث المبدأ، على أن يتعلم ويتدرج في مؤسسات الدولة ويصل إلى أعلى مواقعها، دون أن يحتاج إلى نسب يمنحه حقًا أعلى من غيره. ولم تعد المقارنة بين سبتمبر وما قبلها حبيسة كتب التاريخ، فالحرب التي أعادت إلى الواجهة مفاهيم السلالة والولاية والامتيازات بين الفئات المجتمعية، أعادت معها أيضًا صورًا أخرى من البؤس الذي ظن اليمنيون أنهم تجاوزوه؛ الفقر والجوع والنزوح، وتراجع التعليم والخدمات، وانقطاع رواتب مئات الآلاف من الموظفين. غادر مئات الآلاف مناطق سيطرة الحوثيين خلال سنوات الحرب، بعضهم هربًا من القتال، وآخرون بحثًا عن الأمان أو العمل أو هربًا من الملاحقات والتجنيد والقيود المفروضة على حياتهم. استقرت عائلات كثيرة في مأرب وتعز وعدن وغيرها، لتبدأ حياتها من الصفر، فيما بقيت عائلات أخرى في مناطق سيطرة المليشيات تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة وتدهور الخدمات وانقطاع الرواتب. والمفارقة أن الموظف الذي أمضى عمره في خدمة الدولة قد يعيش اليوم بلا راتب منتظم، بينما تستمر الجبايات والزكاة والضرائب والإتاوات، وتتوسع مؤسسات المليشيات وأجهزتها التعبوية والعسكرية. أما التعليم فهو المجال الذي تظهر فيه المفارقة أكثر قسوة؛ فالثورة التي جعلت نشر التعليم أحد أهدافها، يأتي عيدها الرابع والستون وقد أصبح ملايين الأطفال في مناطق سيطرة المليشيات الحوثية خارج المدارس، ولم تقتصر المشكلة على تدهور المدرسة وانقطاع رواتب المعلمين، بل امتدت إلى مضمون ما يتلقاه الطفل نفسه؛ إذ تعرضت المناهج لتغييرات واسعة، وتوسعت المراكز الصيفية والدورات الثقافية والأنشطة التعبوية التي تقدم للأطفال تصور المليشيات للتاريخ والدين والهوية والصراع. ولم تكن المرأة اليمنية بعيدة عن هذا الارتداد؛ فالفتاة التي فتحت لها الجمهورية أبواب المدرسة والجامعة والعمل، وأصبحت معلمة وطبيبة وصحفية وقاضية وموظفة في مؤسسات الدولة، وجدت نفسها اليوم بعد عقود أمام قيود جديدة تطال حركتها وعملها وسفرها وحضورها في المجال العام. تسعى الحكومة الشرعية إلى منح المرأة حقوقها المكتسبة، من خلال تعيين وزيرات في أهم وزارات الحكومة وآخرها وزارة الخارجية، إضافة إلى السفيرات والمديرات في كافة مفاصل الدولة، في حين تبقى المرأة في مناطق سيطرة الحوثيين حبيسة ممارسات اجتماعية، تحولت إلى إجراءات تفرض على النساء وجود «محرم» للسفر والتنقل، وتضيّق على العاملات في المنظمات والمجتمع المدني، في مفارقة تعيد المرأة اليمنية إلى معركة ظنت أجيال منها أن الجمهورية حسمت اتجاهها منذ عقود. ولم يكن الهامش السياسي والإعلامي الذي عرفه اليمنيون في ظل الجمهورية بمنأى عن هذا الارتداد، فعلى الرغم من كل ما شاب التجربة السياسية اليمنية من اختلالات، عرفت البلاد تعددية حزبية وصحفًا حكومية وحزبية وأهلية، ونقابات ومنظمات مجتمع مدني، ومساحة من الجدل السياسي الذي كان يصل في كثير من الأحيان إلى أشد درجات الخصومة مع السلطة. في صنعاء التي كانت تضج بمقار الصحف والأحزاب والمنظمات، اختفت الصحافة، وغادر مئات الصحفيين والناشطين البلاد، وتعرض آخرون للاعتقال والملاحقة، فيما اختفى تقريبًا الصوت السياسي المعارض من المجال العام نهائيًا، وبقي الصوت الحوثي هو الأوحد. ولعل أكثر ما يلخص حجم التحول أن الاحتفاء بثورة البلاد ورفع علم الجمهورية، وهما من أكثر الأفعال الوطنية اعتيادًا طوال عقود، أصبحا في السنوات الأخيرة سببًا كافيًا للملاحقة والاعتقال، في مشهد يعيد إلى الذاكرة أحد أهم أسباب قيام سبتمبر نفسها. ومع كل ذلك، كانت النتيجة على عكس ما أراد الحوثيون؛ فبعد سنوات من التضييق على ذكرى سبتمبر، لم تتراجع المناسبة في الوجدان الشعبي، بل اتسعت مظاهر الاحتفاء بها، وتحول رفع العلم الجمهوري وإيقاد الشعلة وترديد الأغاني الوطنية إلى تعبير يتجاوز الاحتفال بذكرى تاريخية إلى إعلان التمسك بالجمهورية نفسها. نجح الحوثيون من حيث لا يريدون، في إعادة سبتمبر إلى بدايتها الأولى؛ فلم تعد مجرد عطلة رسمية واحتفال سنوي يتكرر، بل عادت بالنسبة إلى اليمنيين تعبيرًا عن رفض الامتياز السلالي، والتمسك بالمواطنة المتساوية، والدفاع عن حقهم في دولة لا تمنح أحدًا حقًا في الحكم بسبب اسمه أو نسبه. بعد أربعة وستين عامًا، تبدو المسافة بين ليلة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 واليوم أقصر مما توحي به السنوات؛ فالمعركة التي ظن اليمنيون أن آباءهم حسموها ذات ليلة في صنعاء، عادت بأسماء وأدوات جديدة، وبقي جوهرها حاضرًا في سؤال الدولة والمواطنة والمساواة. ولهذا، حين تضاء شعلة سبتمبر هذا العام، لن تكون مجرد استعادة لليلة مضت قبل أربعة وستين عامًا؛ ففيما ترتفع ألسنة اللهب من شعلات الاحتفال، يقف رجال الجمهورية على جبال كهبوب وقرفان ونعمان وصحاري مأرب والجوف وجبال البيضاء وغيرها، ليبدو سبتمبر، بعد كل هذه السنوات، حدثًا يولد من جديد كل عام.
Loader